محمد متولي الشعراوي
9392
تفسير الشعراوي
إذن : خلق اللهُ الجبالَ لحكمة ، وجعلها مصدراً للخصب الذي يمد الأرض مَدَداً دائماً ومستمراً ما بقيتْ الحياة على الأرض ، ومن هذا تتضح لنا حكمة الخالق سبحانه في أن تكون الجبال صَخْراً أصمّ ، فإذا ما تعرضت لعوامل التعرية على مَرَّ السنين تتفتتْ منها الطبقة الخارجية نتيجة لتغيُّر الظروف المناخية من حرارة وبرودة . ثم تأتي الأمطار وتعمل في الصخر عمل المَبْرَد ، وتُكوِّن ما يسمى بالغِرْيَن ، فتحمل هذا الفتات إلى الوِدْيان ومجاري الأنهار ، وتُوزِّعه على طبقة الأرض ، فتزيدها خِصْباً تدريجياً كل عام ، وإلاَّ لو كانت الجبال هَشَّة غير متماسكة لانهالتْ في عدة أعوام ، ولم تُؤَدِّ هذا الغرض . لذلك نقول : إن الجبال هي مصدر القوت ، وليست الأرض . ألاَ ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمي النيل ، والغِرْين الذي يحمله الماء من أعالي أفريقيا . وهذا الغِرْيَن الذي يُنحَتُ من الجبال هو الذي يُسبب الزيادة في رقعة اليابسة ، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطِلَّة على البحر ، فبعد أن كانت على شاطئه أصبحت الآن داخل الياسبة . وقد مثَّلْنَا سابقاً للجبل بأنه مُثلث قاعدته إلى أسفل ، والوادي مُثلث قاعدته إلى أعلى ، فكل نحْتٍ في الجبل زيادة في الوادي ، وكأن الخالق عَزَّ وَجَلَّ جعل هذه الظاهرة لتتناسبَ مع زيادة السكان في الأرض .